الجاحظ
415
الحيوان
الحديث - فنهض نحو الصّوت ، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو والمثني بنعالهما حتى قتلاها ، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما ، وهو صحيح لا يسيل منه شيء . فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان والحمير والبغال ، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة والكثرة . فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة [ 1 ] بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد ، فإن كان الشيء المقذوف من شكل الشيء الحارّ ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله ؟ ! وإن كان من شكل الشيء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله ؟ ! فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة ، ولا بالبرودة إذا كان باردا . ولو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج والنار لذكرناه . فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة ، ولكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة ، مع خاصيّات أخر ، ليست بذات أسماء ، ولا تعرف إلّا بالوهم في الجملة . 1167 - [ علة قتل السم ] والسمّ يقتل بالكمّ والكيف والجنس ، والكمّ المقدار ، والكيف : الحدّ . والجنس : عين الجوهر وذاته . وتزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة ، وأنّ كلّ شيء غريب خالط جوف حيوان قتله . وقد أبى ذلك ناس فقالوا : وما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب واللّحم ، وربّما كان عاملا فيهما جميعا . بل ليس يقتل إلّا بالجنس ، وليس تحسّ النّفس إلّا بالجنس ، ولو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب . جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب ، ولو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شيء . وقال ابن الجهم : لولا أنّ الذهب المائع ، والفضّة المائعة ، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان . وإذا جمدا لم يجاوزا مكانهما - لكانا من القواتل بالغرابة . وهذا القول دعوى في النّفس ، والنّفس تضيق جدّا . وما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة . وإنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا ، ونسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة ، وعمرا بعد عمر ، على جهل أكثر النّاس بالكلام . والمتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شيء ، ويأبى اللّه ذلك . فهذا باب من أعاجيب الظليم .
--> [ 1 ] الجرارة : العقارب صغيرة تجر أذنابها .